حول الحكمة وإحساس المراعاة / 5.3.16

ربّما وُلدتُ امرأة، وربّما، كما تقول سيمون دي بيفوار،  أصبحت امرأة. سواء أكان هذا ما حصل أم ذاك، فإنّ كَوْني امرأة يشكّل مركّبًا مركزيًّا للغاية في الفسيفساء التي تَنْبَني منها هُويّتي الشخصيّة وهُويّتي الفرديّة. إنّها العدسة التي أتأمّل نفسي والعالم من خلالها.

الكتابة حول الهُويّة النسائيّة في عصر ما بعد الحداثة قد تكون “دَقّة قديمة”، أو عملًا انتهت صلاحيته، وبخاصّة بعد أن قامت جوديت باتلير بزعزعة عالَمنا بفكرتها القائلة إنّ الهُويّة الجندريّة هي ضرب من الإنشاء الاجتماعيّ، ونوع من التمظهر، أكثر من كونها أمرًا “طبيعيًّا”. حقًّا، هذا صحيح؛ ففي الخطابات النسويّة يبدو أنّ الانشغال بالهُويّة النسائيّة يقف على حافة منزلق أملس يُفضي صوب الماهِيَويّة (الجوهرانيّة)، وصوب إنشاءات اجتماعيّة، وتنميطات رجوليّة ونسائيّة نسعى نحن النساء للابتعاد عنها.

لكن في معمعان هذه المنزلقات الملساء، أتلمس لنفسي حقّ تعريف هُويّتي كامرأة في الفضاءات المختلفة التي أتحرّك وأعمل فيها.

هُويّتي كامرأة قِوامها شذرات من التاريخ النسائيّ المتواصل؛ سلالة متواصلة من الساحرات والحكواتيّات، والمزارِعات والمطبِّبات، والنساء الكاتبات والمفكِّرات، والطاهيات والمغنّيات، والنساء اللواتي يحملن القلم، نساء يُدْنين طفلًا نائمًا إلى حضنهنّ، وأخريات يحاربن ويكافحن في سبيل مستقبل أفضل. قِوامها كذلك جدّتاي المرحومتان، وأمّي (أطال الله عمرها)، وأخواتي بالولادة وأخواتي اللواتي أدنيتُهنّ إليّ عبْر السنين. تتغذّى هُويّتي وتنمو من اللقاء اليوميّ مع أحبّائي. وقِوام هُويّتي كذلك نساء لم ألتقِ بهنّ قَطّ، أو قابلتهنّ من على صفحات الكتب، وفي الصور والحكايات. قِوامها نساء من لحم ودم وأخريات من الأساطير.

حول الحكمة وإحساس المراعاة